البخاري
تصدير 54
صحيح البخاري ( ط أوقاف مصر )
وقصص البغداديين والسمرقنديين وما أشبهها ، كانت ولا شك امتحانات قاسية عسيرة ، ولكنه كان يجتازها بسلام ، ويخرج منها مظفرا ، مشهودا له بأصالة الحفظ ، والتوثق فيه ، والحسد داء قديم لم يسلم منه العلماء ، فربما كان حسد المحدّثين هو الباعث على هذا الاختبار العفيف ، وربما كان باعثه القصد الشريف للتحقّق من صدق روايته قبل الأخذ عنه ، وأيا ما كان باعثه الحق ، فإن الراسخين في العلم من شيوخه وأقرانه لم يعلنوا ثقتهم به بمثل هذه الفتن القاسية ، وإنّما تكشفوا حقيقته عن طريق التقائه المتكرر بهم ، وتتابع احتكاك عقله بعقولهم ، وهذه طريقة أعدل في الاختبار ، وأسلم في التقدير ، فقد محّصته لهم أدقّ التمحيص ، وأسفرت بالتدريج عن صدقه وأصالته ، وانتهت بهم إلى الثقة المطلقة فيه ، والشهادات التي نقلناها عنهم في حفظه ، والتي أقروا فيها صراحة وضمنا بإمامته ، هذه الشهادات لم يقصدوا بها كثرة الحفظ فحسب ، بل قصدوا بها مع ذلك درجته من التمكن ، وحظّه من التوثق ، فما أقر الشيوخ لحافظ إلّا إذا كان ثبتا متمكنا مأمون التخبط فيما يرويه ، ولا كتبوا عن حافظ إلّا كان أهلا للثقة فيما يكتبونه عنه . ولقد ذهب شيوخ البخاري وأقرانه في الثقة بروايته إلى غايات بعيدة ، وكان لهذه الثقة البالغة مظاهر متنوعة ، فلم يكتفوا بالشهادة له ، ولم يكتفوا في العمل بالكتابة عنه ، بل اعتبروا روايته معيار الصدق في الأحاديث ، فما عرفه قبلوه ، وما أنكره رفضوه ، وفيما يحدث به البخاري عن نفسه أنّه قال : « ذاكرنى